يوم الخميس، أشار المغرب والاتحاد الأوروبي إلى تحول حاسم في علاقتهما، حيث انتقلا إلى ما هو أبعد من تعاون الجوار التقليدي نحو تحالف استراتيجي أعمق يرتكز على المصالح المشتركة، والمواءمة السياسية، والتقارب الجيوسياسي طويل الأمد.
وقد انبثقت هذه الإشارة عن الدورة 15 لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي التي انعقدت ببروكسل، بعد حوالي 30 سنة من التوقيع على اتفاقية الشراكة، وأول اجتماع رفيع المستوى من نوعه منذ 2019.
وعلى خلفية عدم الاستقرار العالمي، والصراعات الإقليمية، والضغوط الاستراتيجية المتزايدة، كان يُنظر إلى الاجتماع على نطاق واسع باعتباره إعادة إطلاق سياسي للعلاقات الثنائية.
وقبل انعقاد المجلس، أكد الاتحاد الأوروبي مجددا تصميمه على تعزيز التعاون مع المغرب استجابة للتحديات الإقليمية والدولية المشتركة. ه
وسلط المسؤولون الأميركيون الضوء على المجالات ذات الأولوية، بما في ذلك إدارة الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب، مع الاعتراف بدور المغرب النشط في الدبلوماسية المتعددة الأطراف، ولا سيما في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وتناولت المناقشات الملفات الدولية الرئيسية، بما في ذلك ملفات أوكرانيا والشرق الأوسط وغزة والساحل، مع وصف غزة بأنها قضية ذات أولوية. وأشار الاتحاد الأوروبي أيضا إلى خبرة المغرب المعترف بها في مكافحة الإرهاب والتطرف، مبرزا الدور المتنامي للمملكة كشريك أمني خارج جوارها المباشر.
بالنسبة للمغرب، كان لمجلس الشراكة أهمية سياسية واستراتيجية قوية. ووصف وزير الخارجية ناصر بوريطة الشراكة بأنها ذات “آفاق إيجابية وواعدة”، مذكرا بأن المغرب كان منذ فترة طويلة في طليعة تعامل الاتحاد الأوروبي مع جواره الجنوبي.
وشدد على مكانة المغرب باعتباره الشريك التجاري الرائد للاتحاد الأوروبي في منطقة البحر الأبيض المتوسط وفي جميع أنحاء أفريقيا، مقدما العلاقة كنموذج مرجعي لانخراط أوروبا الأوسع في المنطقة.
وفي بيئة دولية متقلبة بشكل متزايد، صور المسؤولون المغاربة المملكة كشريك مستقر ويمكن التنبؤ به وموثوق به لأوروبا.
وإلى جانب الالتزامات التطلعية، أكد المجلس أيضا على مرونة العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من التحديات القانونية والسياسية والدبلوماسية المتكررة في السنوات الأخيرة، أظهر الجانبان الوحدة، مشيرين إلى ما وصفه المسؤولون بالاصطفاف القوي والدائم.
وقد انعكست هذه المرونة في الاتفاقية الزراعية المعدلة، والتي دخلت حيز التنفيذ منذ أكتوبر/تشرين الأول، والتي تشمل صراحة الأقاليم الجنوبية للمغرب في الأفضليات الجمركية للاتحاد الأوروبي.
وبدلاً من إضعاف الشراكة، يبدو أن التحديات المتعاقبة عززت التعاون وعززت الثقة المتبادلة.
ودعا بوريطة، في كلمة موضوعية، إلى نقلة نوعية في العلاقات، معتبرا أن عقودا من التعاون حولت المغرب إلى امتداد طبيعي للفضاء الجيوسياسي والاقتصادي لأوروبا.
وحث على الابتعاد عن النهج القائم على الجوار البحت والتوجه إلى منطق قائم على التحالف.
وبموجب رؤية المغرب، ينبغي أن تكون المرحلة المقبلة من الشراكة مبنية على التقارب الاستراتيجي بدلا من البرامج المجزأة.
وسيشمل ذلك إجراء حوار سياسي منتظم رفيع المستوى، واستثمارات مشتركة في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعة والتحول الرقمي والاتصال والطاقة الخضراء، وآليات التشاور المتقدمة التي تسمح للمغرب بالمشاركة في عملية صنع القرار في الاتحاد الأوروبي بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وبينما أكد السيد بوريطة من جديد استعداد المغرب للتقارب التنظيمي والمسؤولية المشتركة، شدد على أن التعاون الأعمق يجب أن يرتكز على الاعتراف المتبادل والقدرة على التنبؤ والحكامة المتوازنة.
ومن أهم النتائج السياسية التي توصل إليها المجلس ترسيخ إجماع أوروبي جديد بشأن الصحراء المغربية. ولأول مرة، اصطفت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة بالإجماع وراء خطة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الوحيد للحل السياسي، تمشيا مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797.
وقد تم تفسير هذا التحول على نطاق واسع في الرباط باعتباره اختراقاً دبلوماسياً كبيراً، ينهي سنوات من الغموض الأوروبي بشأن هذه القضية ويعزز موقف المغرب القديم بشأن السلامة الإقليمية.
واعتبرت أيضًا تتويجًا لجهود دبلوماسية متواصلة تمت على أعلى مستوى في الدولة المغربية.
وشدد الجانبان على أن مجلس الشراكة لم يكن اجتماعاً مؤسسياً روتينياً، بل كان انطلاقة سياسية لمرحلة ما بعد “الوضع المتقدم” في العلاقات.
واعتبرت المشاركة الأوروبية القوية، بما في ذلك كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي والعديد من وزراء الخارجية، بمثابة اعتراف بالدور الاستراتيجي الفريد للمغرب.
وبالنظر إلى المستقبل، اتفق المغرب والاتحاد الأوروبي على التحرك نحو حوار سياسي منتظم رفيع المستوى، وتفويض للتفاوض على شراكة استراتيجية جديدة معززة مع خريطة طريق أكثر طموحا، والاعتراف الرسمي بدور المغرب كزعيم متوسطي، وركيزة للاستقرار في أفريقيا، ولاعب دبلوماسي رئيسي في جهود السلام في الشرق الأوسط.
وبينما يستعد الجانبان لتشكيل هذا الإطار الجديد، تشير لهجة بروكسل إلى علاقة تحددها بشكل متزايد الاعتماد الاستراتيجي المتبادل بدلاً من المساعدة، والرؤية طويلة المدى بدلاً من التعاون في المعاملات.
وبعد ثلاثة عقود من العلاقات المؤسسية، يبدو المغرب والاتحاد الأوروبي الآن على استعداد لإعادة تعريف علاقتهما – ليس فقط كجيران مرتبطين جغرافيا، ولكن كشركاء يشكلون بشكل مشترك مساحة جيوسياسية مشتركة عبر البحر الأبيض المتوسط.
تنصل: الآراء والتعليقات والآراء والمساهمات والبيانات التي أدلى بها القراء والمساهمون على هذا النظام الأساسي لا تمثل بالضرورة آراء أو سياسة Multimedia Group Limited.
تنصل: الآراء والتعليقات والآراء والمساهمات والبيانات التي أدلى بها القراء والمساهمون على هذا النظام الأساسي لا تمثل بالضرورة آراء أو سياسة Multimedia Group Limited.

